23/04/2026
بقلم: سعاد بطي الشامسي - المدير التنفيذي للجائزة
يأتي "اليوم العالمي للقراءة" ليجدد فينا الإيمان بأن الكلمة ليست مجرد معرفة تُقرأ، بل طاقة تُحرّك الوعي، وتبني الإنسان، وتعيد تشكيل علاقته بذاته ومجتمعه؛ فالقراءة، في جوهرها، ليست نشاطاً معرفياً فحسب، بل هي ممارسة حضارية تصنع الوعي، وتؤسس لقيم المشاركة والمسؤولية والانتماء.
وفي هذا السياق، تبرز إمارة الشارقة كمنارة للثقافة والقراءة، وفضاءٍ حضاري يحتفي بالكتاب والمعرفة في مختلف تفاصيله، من المكتبات العامة، إلى المعارض الثقافية، والمبادرات التي جعلت من القراءة أسلوب حياة وثقافة مجتمع. هذا الحضور الثقافي العميق لم يكن منفصلاً عن مسارها الإنساني، بل متداخلاً معه، ليشكّل أرضية صلبة لبيئة تطوعية واعية ومؤثرة.
وفي سياق العمل التطوعي، تكتسب القراءة بعداً أعمق يتجاوز حدود التثقيف الفردي إلى صناعة التأثير المجتمعي؛ فالمتطوع الواعي ليس مجرد منفذ لمبادرة، بل هو إنسان قارئ لاحتياجات مجتمعه، مدرك لتحدياته، ومطلع على أفضل الممارسات الإنسانية والتنموية التي تعزز من جودة المبادرات واستدامتها.
التطوع المعرفي الإنساني
ومن أبرز أشكال التطوع النوعي التي انتشرت في العديد من الجهات العالمية والمحلية، تجربة التطوع في تسجيل الكتب الصوتية، حيث يساهم المتطوعون في قراءة الكتب وتسجيلها لصالح ذوي الإعاقة البصرية، بما يفتح أمامهم أبواب المعرفة ويعزز من دمجهم الثقافي والمعرفي في المجتمع، فإن مثل هذا النوع من التطوع يجسد بوضوح كيف يمكن للقراءة أن تتحول إلى أداة إنسانية تُحدث فرقاً حقيقياً في حياة الآخرين.
ريع الاقتصاد المعرفي لخدمة ذوي الإعاقة
وفي هذا الإطار، تأتي مبادرة "سوق الوراقين" التي تنفذها مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية كمثال حي على التكامل بين القراءة والعمل التطوعي، حيث تُفتح الفرصة أمام المتطوعين للمشاركة في أنشطة تنظيمية ومعرفية، إذْ يقوم المتطوعون بدور محوري يتمثل في المساهمة في الدعم التنظيمي للسوق، إلى جانب تصنيف وفرز الكتب المتوفرة وإعدادها للعرض.
وتقوم فكرة المبادرة على جمع الكتب المستعملة وفرزها وتنظيمها، ثم عرضها في سوق للكتاب المستعمل بأسعار رمزية، بحيث يُخصص ريعها لدعم التعليم وخدمة الفئات المستفيدة. وهي مبادرة تعكس نموذجاً راقياً للاقتصاد المعرفي التطوعي، حيث تتحول الكتب من مصادر للمعرفة فقط إلى أدوات دعم إنساني وتنموي مستدام، بإدارة وتنظيم المتطوعين أنفسهم، وبمشاركة مجتمعية فاعلة.
إن القراءة تمثل البوابة الأولى لفهم فلسفة العمل التطوعي ذاته؛ فهي التي تعرّف المتطوع على مفاهيم العطاء، وإدارة المبادرات، والتواصل الفعّال، والعمل الجماعي، وتمكنه من تحويل الرغبة في الخير إلى ممارسة منظمة ذات أثر ملموس. ومن هنا، فإن الاستثمار في القراءة هو استثمار مباشر في جودة العمل التطوعي وفاعليته.
وفي إمارة الشارقة، حيث تتجذر ثقافة المعرفة والعمل الإنساني، نجد أن الربط بين القراءة والتطوع ليس طرحاً نظرياً، بل ممارسة واقعية تتجلى في المبادرات والمشاريع التي تعزز من وعي المتطوعين، وتدعم بناء قدراتهم الفكرية والمهارية. فكل فكرة تطوعية ناجحة تبدأ من قراءة واعية، وكل مبادرة مؤثرة تنطلق من فهم عميق لاحتياجات المجتمع.
كما أن القراءة تفتح آفاقاً واسعة أمام المتطوعين للاطلاع على تجارب عالمية ناجحة، واستلهام نماذج مبتكرة يمكن تكييفها مع البيئة المحلية، مما يسهم في تطوير المبادرات وتحويلها من أعمال فردية إلى مشاريع مستدامة ذات أثر طويل المدى.
ولا يقتصر دور القراءة على تطوير المتطوعين فحسب، بل يمتد إلى تعزيز ثقافة التطوع في المجتمع ككل، من خلال نشر الوعي بأهمية العمل الإنساني، وترسيخ قيم العطاء والمشاركة، وبناء جيل يؤمن بأن المعرفة مسؤولية، وأن القراءة طريق لصناعة التغيير الإيجابي.
جائزة الشارقة للعمل التطوعي ترسيخ للقيم
وفي هذا الإطار، تواصل جائزة الشارقة للعمل التطوعي رسالتها في ترسيخ هذه القيم، من خلال استهدافها لفئات متعددة من المجتمع، وعلى رأسها طلبة المدارس وطلبة الجامعات، إلى جانب المؤسسات التعليمية من جامعات ومعاهد ومدارس، بهدف بناء جيل واعٍ يدرك أن التطوع يبدأ من المعرفة وبيئتها المدرسية وحرمها الجامعي، وأن القراءة هي المدخل الحقيقي لصناعة متطوعين أكثر تأثيراً ووعياً.
وفي هذا اليوم العالمي، نؤكد أن القراءة ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة مجتمعية، وأن العمل التطوعي ليس نشاطاً عابراً، بل ثقافة تُبنى بالوعي والمعرفة. وبين القراءة والتطوع خيطٌ رفيع من الإدراك، يتحول معه الإنسان من متلقٍ إلى فاعل، ومن قارئ إلى صانع أثر.
ويبقى الرهان الحقيقي على الإنسان القارئ، الذي يدرك أن المعرفة حين تقترن بالفعل، تتحول إلى قوة تغيير، وأن التطوع حين يستند إلى وعي، يصبح رسالة حضارية تُسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكاً وإنسانية.